عبد الملك الجويني
113
نهاية المطلب في دراية المذهب
والوجه الثاني - أنه يُقبل ؛ فإن إرادة العيان بالرؤية ليس من الأمور البعيدة . ولو قال : إذا رأيت فلاناً ، فأنت طالق وكان غائباً ، فقدم ، فلم تره ، فالظاهر حمل ذلك على العيان ، وذلك أنا قلنا ما قلنا في الهلال لجريان الاعتياد فيه ، وللألفاظ مجاري مختلفة باختلاف المحالّ ؛ فإن الذي لم ير الهلال قد يقول - إذا غاب عن بلده - : ورأينا الهلال في الليلة الفلانية ، ولا يقول : رأيت فلاناً وما رآه ، والسبب فيه أن رؤية الأشخاص فيها أغراض ، وليس في رؤية الهلال غرض ، [ وينبغي ] ( 1 ) للمحصل أن يعتقد أن مجاري العبارات التي يستعملها أرباب العقول لا تختلف إلا لأغراض مختلفة قد يظهر مُدركها ، وقد يخفى . وقال القفال : إذا ذكر الرؤية بالفارسية وأضافها إلى الهلال ، فهي العيان ، لا العلم ، وهذا إنما قاله ؛ من جهة أن الرؤية تطلق في العربية والمراد بها العلم ، كما قال سبحانه : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } [ الفرقان : 45 ] وهذا الذي ذكره القفال فرقٌ متخيل بين اللغتين ، لكن فيه خلل ناجع ، وهو أنا لا ننكر أن المعنى الأظهر للرؤية العيانُ إذا لم يُعدَّ إلى مفعولين ، فإذا قلت رأيت زيداً ، كان ظاهره عاينت زيداً ، وإذا عدّيته إلى مفعولين كان بمعنى الظن كقولك : رأيت زيداً عالماً ، فإذا قال لامرأته : إذا رأيت الهلال ، كان هذا على معنى العيان في اللغة ، وإنما حملنا ظاهره على العلم للعُرف واكتفاء الناس فيه برؤية الغير ، وهذا يتحقق في لغة العجم ، فلا فرق إذاً بين اللغتين . فصل قال : " ولو قال إذا مضت سنة ، فأنت طالق ، وقد مضى من الهلال خمسٌ . . . الفصل " ( 2 ) . 9046 - إذا قال لامرأته : إذا مضت السنة ، فأنت طالق ، انصرفت إلى السنة العربية المفتتحة بالمحرم ، فإذا كان في بقيةٍ من السنة ، فانقضت ، وقع الطلاق وإن
--> ( 1 ) في الأصل : " ولا ينبغي " . ( 2 ) ر . المختصر : 4 / 78 .